رأي في النازلة موضوع امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة بتاريخ فاتح مارس 2015 في الموضوع المدني

 رأي في النازلة
 موضوع امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة
 بتاريخ فاتح مارس 2015 في الموضوع المدني
امتحان الاهلية لمزاولة المحاماة
كتبها الدكتور عبدالحكيم الحكماوي.
نائب اول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط.
استاذ زائر بكلية الحقوق ســـــلا.
باحث قانوني.
----------------------
 وقائع النازلة في المادة المدنية التي طرحت في امتحان الاهلية لمزاولة مهنة المحاماة:
حضرت السيدة "مرة بنت سعيد" إلى مكتبك وأخبرتك بأنها وضعت مولودا من علاقة غير شرعية مع "عاصي بن مسكين" وطلبت منك بصفتك محاميا رفع دعوى باسمها نيابة عن ابنها ضد عاصي بن مسكين باعتباره مسؤولا عن المولود، وذلك قصد الحكم عليه بالقيام بشؤونه المادية إلى غاية بلوغه سن الرشد القانوني. وقد أمكنك بالرجوع إلى قانون الالتزامات والعقود الوقوف على مقتضيات الفصل 77 منه الذي ينص على ما يلي: "كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر.
أولا: ما هو نوع المسؤولية التي يمكن أن يتحملها عاصي بن مسكين؟
ثانيا: ما هي المسطرة التي يتعين عليك سلوكها للقيام بما كلفتك به مرة بنت سعيد؟
-----------------------
في رأينا هذا حول هذه النازلة سوف لن نتطرق للجواب عن دور المحامي في رفع الدعوى وما هي الإجراءات التي يمكن له القيام بها، و لكن سوف نثير مجموعة من الإشكالات التي تعترض المدعية ، وهي إشكالات حقيقية لابد من أخذها بعين الاعتبار خصوصا وأنها إشكالات قوية من حيث الحجة و المنطق القانونيين .
مناقشة النازلة :
الإطار العام للنازلة :
تطرح النازلة الموضوعة للنقاش مسألة غاية في التعقيد، ويتعلق الأمر بإشكال ليس له بعد مدني صرف، ولكن جذوره تمتد إلى كل من مدونة الأسرة والقانون الجنائي. فالفعل الذي أسست عليه النازلة حُدِّد كما هو مشار إليه في "علاقة غير شرعية" قامت بين كل من "مرة بنت سعيد" و "عاصي بن مسكين" وهذه العلاقة الشرعية توصف قانونا بأنها علاقة فساد طبقا لمقتضيات الفصل 490 من القانون الجنائي الذي ينص على أن: "كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة" وهي الجريمة التي لا يُتصور قيامها إلا بالمساهمة بين طرفيها الذكر "عاصي بن مسكين" والأنثى "مرة بنت سعيد"؛ و بالتالي فكلا طرفي هذه العلاقة غير الشرعية ساهم بشكل إرادي في قيامها، مما تكونت معه المسؤولية الجنائية للطرفين قائمة على قدم المساواة .
غير أننا قد نواجه بإشكال في مثل هذه الحالة يتلخص في مدى اعتبار قيام المسؤولية الجنائية في مثل هذه النازلة أساسا لقيام المسؤولية المدنية عن الخطأ المحدث للضرر؟ وبمعنى آخر هل يمكن للمسماة "مرة بنت سعيد" أن تطالب المسمى "عاصي بن مسكين" بجبر الضرر الحاصل من فعله وإلزامه بالقيام بشؤون المولود الناتج عن هذه العلاقة غير الشرعية وتحميله المسؤولية سواء بصورة كلية أو بصورة جزئية ؟
للوقوف عند الإشكالات التي تطرحها النازلة أعلاه يمكن تقسيم الموضوع إلى محورين:
المحور الأول: قيام المسؤولية المدنية للمدعى عليه رهين بتوفر شروط موضوعية
المحور الثاني: ضرورة تحميل المدعية المسؤولية عن فعلها الإرادي
المحور الأول: قيام المسؤولية المدنية للمدعى عليه رهين بتوفر شروط موضوعية
كما سبق و أشرنا فالأساس الواقعي والمادي للدعوى التي ترغب "مرة بنت سعيد" في رفعها هو العلاقة غير الشرعية، وهو أساس يطرح مدى إمكانية المطالبة بجبر الضرر الحاصل للغير من طرف من كان متسببا في ذلك الضرر سواء بصفته فاعلا أصليا أو مساهما أو مشاركا، خاصة إذا كان الضرر ناتجا عن جريمة. وتكييف الفعل الذي أتاه كل من المدعية والمدعى عليه لا يتأسس إلا في إطار مقتضيات القانون الجنائي، أي في إطار الفصل 490 من ذات القانون الذي يعتبر ما قام به الطرفان فسادا، لذلك فإن لعب أحد الأطراف الأصليين أو المساهمين في ارتكاب الجرم دور المدعي ولو بالنيابة في مواجهة الطرف الثاني غير مرتكز على أساس قانوني، و ذلك لاعتبارات متعددة يمكن تلخيصها في اعتبارين أساسيين:
- الاعتبار الأول: أن الفعل المرتكب من الطريفين لا يسمح به القانون؛ وهنا يجب أخذ القانون بمفهومه الواسع بما يشمل كذلك القانون الجنائي، وبالتالي لا يمكن أن نتصور قيام شروط الفصل 77 في مواجهة المدعى عليه "عاصي بن مسكين" إلا إذا كان هو فقط من تسبب بفعله الشخصي في إحداث الضرر ولم تشاركه فيه المدعية "مرة بنت سعيد". ولن يمكننا تصور هذه الحالة التي قد تنتج عنها ولادة غير شرعية إلا في حالة الاغتصاب التي لا تكون فيها الأنثى راضية عن العلاقة الجنسية التي كانت ضحية لها هي نفسها. و بالتالي فالفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود يفترض شرطا ضروريا متمثلا في كون الخطأ الذي يشكل أساسا للضرر ناتجا عن طرف واحد و ليس عن طرفين بإرادتهما الحرة.
- الاعتبار الثاني: أن دعوى التعويض يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الفصلين 99 و 100 من قانون الالتزامات و العقود ، ذلك أن الضرر الذي قد نعتبره حاصلا للمولود إنما هو ضرر ناتج عن الاشتراك في الخطأ بين طرفي الدعوى الأصليين، المدعية والمدعى عليه. وبالتالي فإن مقتضيات الفصل 99 من قانون الالتزامات والعقود التي تنص على أنه: "إذا وقع الضرر من أشخاص متعددين عملوا متواطئين، كان كل منهم مسؤولا بالتضامن عن النتائج، دون تمييز بين من كان منهم محرضا أو شريكا أو فاعلا أصليا. "قائمة في هذه الحالة فالتواطؤ حاصل ومتحقق في الفعل الذي أنتج مولودا غير شرعي، فلا يمكن تصور قيام علاقة غير شرعية إلا برضى الطرفين، وبالتالي فكل منهما مسؤول مسؤولية تضامنية عن الخطأ المرتكب والذي أحدث الضرر المفترض للمولود الناتج عن العلاقة غير الشرعية. وعلى ذلك فإن الشروط الموضوعية التي تجعل المسمى "عاصي بن مسكين" في مركز المدعى عليه تتلخص في التالي:
أن يكون هو من تسبب بمفرده في الخطأ، الذي هو جريمة من حيث طبيعته، في نازلة الحال، وهو ما لم يتحقق في هذه النازلة.
أن تكون المدعية لا دخل لها في ما نتج من ولادة غير شرعية، بمعنى آخر يجب أن تكون بدورها ضحية حتى ينتفي شرط الاشتراك، وهو ما لم يتحقق بدوره حسب ما أشير إليه أعلاه. أن تتحدد المسؤولية - تبعا للشرطين أعلاه – مناصفة طبقا لمقتضيات الفصل 99 أساسا. ولذلك فإنه حتى في حالة رفع الدعوى من طرف المدعية فإن المحكمة ستكون ملزمة بتطبيق القانون، طبقا لمقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية، لذلك يجوز لنا التساؤل حول مصير الدعوى.
المحور الثاني: ضرورة تحميل المدعية المسؤولية عن فعلها الإرادي
ينص الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية على أنه: " يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة."فكما هو واضح من مقتضيات الفصل المذكور فالمحكمة أو القاضي ملزم بالبت دائما في طلبات الأطراف طبقا للقوانين الجاري بها العمل والمطبقة على النازلة و لو لم يطلب الأطراف ذلك صراحة. وعليه فإن مفهوم القوانين في نازلتنا يشمل كل من قانون الالتزامات والعقود وخاصة الفصلين 77 و99 منه، و القانون الجنائي الذي يحدد طبيعة الفعل المقترف الناتجة عنه الولادة غير الشرعية، وأخيرا قانون المسطرة المدنية و بالضبط الفصول 1 و 3 و 5 و 9 منه. وهكذا فمن حيث إلزامية تطبيق القانون من طرف القاضي؛ فإن هذا الأخير مجبر على تفعيل مقتضيات الفصل 99 من قانون الالتزامات و العقود، وهي المقتضيات التي تتأسس على كون العلاقة التي جمعت بين المدعية المفترضة و المدعى عليه علاقة غير شرعية، و أن هذه العلاقة علاقة رضائية و لم تحدث خارج إرادة المدعية، مما لا يكون معه أي موجب للاعتداد بمقتضيات الفصل 95 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه: "لا محل للمسؤولية المدنية في حالة الدفاع الشرعي، أو إذا كان الضرر قد نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقها أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه" إذ لا يتوفر أي شرط ناف للمسؤولية من الشروط الواردة في الفصل المذكور ولن يكون قابلا للتحقق لأن المدعية المفترضة أقرت بموجب مقالها الافتتاحي بكون العلاقة غير شرعية، وبالتالي ليس هناك مبرر للتشبث لا بالدفاع الشرعي ولا القوة القاهرة و لا الحادث الفجائي وهي أمور تحدث خارج إرادة الفاعل و تكون سببا في انتفاء المسؤولية .كما أنه مما يستلزمه تطبيق القانون إثارة صفة المدعية المفترضة، إذ النيابة عن الغير في التقاضي يجب أن تكون مشروعة وهو الأمر غير المتحقق في نازلة الحال؛ على اعتبار أن المسماة "مرة بنت سعيد: بدورها مسؤولة قانونا بموجب مقتضيات الفصل 99 من قانون الالتزامات والعقود، وبالتالي فإن مصلحتها في الادعاء غير قائمة من جهة للاتصال المطالبة بحقوق الغير – المولود غير الشرعي - كما أن صفتها في الادعاء غير مؤسسة لأنها بدورها أحدثت بفعلها خطأ نتج عنه ضرر تمثل في جعل الوليد غير شرعي، وبالتالي فإن تطبيق مقتضيات الفصل 1 من قانون المسطرة المدنية قد يجد له مبررا من هذه الزاوية . وأما من حيث التقاضي بسوء نية طبقا لمقتضيات الفصل 5 من قانون الالتزامات والعقود فمتحقق بمجرد قيام رفع الدعوى من طرف المدعية المفترضة لتحميل المدعى عليه كامل المسؤولية عما تحقق بفعل إرادي مشترك بينهما .و بالتالي فإن حاصل الأمر، تكون المسماة "مرة بنت سعيد" مسؤولة بدورها قانونا عن الفعل الذي اقترفته بمعية المسمى "عاصي بن مسكين" ويجب على المحكمة أن تفعل كامل المقتضيات المتعلقة بمختلف الجوانب القانونية المرتبطة بهذا النزاع .و بما أن الأمر متعلق بدعوى هدفها تحمل المصاريف المادية للمولود إلى حين بلوغه سن الرشد القانوني ، فإن تدخل النيابة العامة في مثل هذه الدعاوى يعتبر أمرا جوهريا لكونها طرفا رئيسيا حسب مقتضيات الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية. وعلى ذلك فإن إدخال النيابة العامة في مثل هذه الحالة سيترتب عنه أمران؛ أولهما دفعها بمقتضيات الفصل 99 من قانون الالتزامات و العقود من جهة وبالتالي القول بانعدام صفة المدعية في الادعاء، وثانيهما إثارة الدعوى العمومية في حق المدعية باعتباره أقرت بموجب مقالها بكون العلاقة التي ربطتها بالمدعى عليه علاقة غير شرعية، مما تكون معه معترفة اعترافا صريحا بذلك. وكما هو معلوم فإن مقتضيات الفصل493 من القانون الجنائي تنص على أنه: "الجرائم المعاقب عليها في الفصلين 490 و491 لا تثبت إلا بناء على محضر رسمي يحرره أحد ضباط الشرطة القضائية في حالة التلبس أو بناء على اعتراف تضمنته مكاتب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي". مما تكون معه تصريحات المدعية الواردة في مقالها الافتتاحي هي نفسها الاعترافات التي تضمنتها المكاتب والأوراق الصادرة عن المتهم بمفهوم الفصل المذكور. لكن السؤال المطروح في هذه المرحلة، هو ما تأثير تحريك الدعوى العمومية في مواجهة المدعية والمدعى عليه على مطالبة المدعية المفترضة للمدعى عليه بالقيام بالشؤون المادية المولود إلى حين بلوغه سن الرشد القانوني؟
في معرض الجواب عن هذا التساؤل وجب الوقوف على مقتضيات المادة 10 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه: "غير أنه يجب أن توقف المحكمة المدنية البت في هذه الدعوى إلى أن يصدر حكم نهائي في الدعوى العمومية إذا كانت قد تمت إقامتها". وهي المقتضيات اساس المبدأ القاضي بكون "الجنائي يعقل المدني" ففي هذه الحالة ستكون المحكمة المرفوعة إليها الدعوى المدنية مجبرة على وقف النظر فيها إلى حين صدور حكم نهائي في الدعوى العمومية .وكما هو معلوم في شأن وسائل إثبات جريمتي الفساد والخيانة الزوجية، فإنها محددة حصرا. و هنا قد نتصور إمكانية إنكار المتهم للعلاقة غير الشرعية التي اعترفت بها المتهمة / المدعية المفترضة بموجب مقالها الافتتاحي، فلا تجوز إدانته حسب مقتضيات الفصل 493 من القانون الجنائي كما لا يمكن إجراء خبرة جينية للتأكد من كون المولود من صلب المتهم المفترض / المدعى عليه؛ لأن المحكمة الزجرية لا تملك حق اللجوء إلى هذا الخيار طبقا لمقتضيات الفصل 493 المذكور الذي حدد وسائل الإثبات حصرا .وينتج عن ذلك كون الحكم الذي سيصدر بالبراءة سيشكل سندا للمتهم المفترض / المدعى عليه ليقيم دعواه ضد المدعية بعلة أنها أحدثت له ضررا عندما ادعت أنها أقامت علاقة غير شرعية معه نتجت عنها ولادة المولود المدعى بشأن حقوقه، مستندا في ذلك لمقتضيات المادة 437 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه: "يجوز للمتهم الذي صدر في شأنه حكم بالبراءة أن يرفع ضد الطرف المدني دعوى حسب الإجراءات العادية يطلب فيها التعويض عن الضرر. "وفي هذه الحالة ستكون المدعية المفترضة أمام إشكالين: الأول أن دعوى المسمى "عاصي بن مسكين" التي سيرفعها ضدها ستكون ثابتة و مؤسسة بموجب الحكم النهائي الذي تبقى له حجيته أمام القضاء المدني، وثانيها ستكون مجبرة على الإثبات طبقا لمقتضيات الفصل 399 من قانون الالتزامات والعقود، وهو أمر متعذر ما دام أن المدعى عليه حصل على حكم زجري حاز قوة الشيء المقضي به. كما أن المحكمة لا يمكن أن تستجيب لها في حالة ما إذا طلبت إجراء خبرة جينية، لأن اللجوء إلى هذه الخبرة مشروط بشروط حصرية حددتها مدونة الأسرة في حالة المنازعة في النسب عند قيام العلاقة الزوجية أو في حالة الحمل الناتج خلال فترة الخطبة طبقا لمقتضيات المادة 156 من مدونة الأسرة . وعموم القول فإن مشاركة المدعية المفترضة في إتيان علاقة غير شرعية "مفترضة" مع المدعى عليه سيجعلها في مركز قانوني ضعيف مما يفرض على المحامي أخذ مجموعة من الاحتياطات وفق ما ذكرناه أعلاه من أجل رفع الدعوى.
------------------
المرجع:

1/أضف تعليقك هنــا:

مرحبا بك اخي الكريم، اذا اعجبك الموضوع، فلا تبخل علينا برآيك وأترك بصمتك، باضافة التعليق أسفله، وشكرا.

إرسال تعليق

مرحبا بك اخي الكريم، اذا اعجبك الموضوع، فلا تبخل علينا برآيك وأترك بصمتك، باضافة التعليق أسفله، وشكرا.

أحدث أقدم